لطالما كان التوريث السياسي في المجتمعات الديمقراطية رمزًا للاستبداد، حيث تنتقل السلطة من الأب إلى الابن، مانعةً بذلك التداول الديمقراطي ومُغذيةً شعور المواطنين بالغبن. وبينما كانت هذه الظاهرة قاعدةً أساسية في في الأنظمة الملكية والإمبراطوريات، أصبحت اليوم مرفوضة في الأجهزة الخاضعة لنظام تعددي ينشد الشفافية والمحاسبة. ومع ذلك، لا تزال بعض الأنظمة السياسية تعتمد على هذا النموذج كوسيلة للبقاء، في ظل غياب مؤسسات قوية تضمن انتقالًا سلسًا للسلطة.
ومع مرور الوقت، انتقل مفهوم التوريث إلى مجالات أخرى مثل الاقتصاد والمؤسسات الثقافية والرياضية، حيث يقوم بعض البرلمانيين ورؤساء الأحزاب أو الجماعات الترابية بتمرير مناصبهم إلى أبنائهم أو أفراد أسرهم، في ما يمكن وصفه بـ”التوريث المؤسساتي”.
من العائلة إلى النادي: “الخلافة” الرياضية
ظاهرة التوريث لم تقتصر على السياسة، بل وصلت إلى الساحة الرياضية، خصوصًا داخل الأندية المغربية. فقد أصبح انتقال المناصب والمسؤوليات من الآباء إلى الأبناء، أو بين أفراد العائلة الواحدة، أمرا شائعا، وهو ما يشبه إلى حد كبير “التوريث السياسي”.
ويختلف الوضع عن الأندية الأوروبية التي تكون في ملكية عائلية، مثل نادي فولهم أو أتلتيكو مدريد، حيث يُنظر إلى هذا الانتقال كأمر طبيعي. أما في المغرب، حيث تخضع الأندية لنظام الجمعيات الرياضية التي يملكها الأعضاء والجماهير، فإن التوريث يُضعف استقلالية الأندية ويحول القرارات المصيرية إلى رهينة حسابات ضيقة ومصالح شخصية.
وتظهر التداعيات بوضوح، إذ يؤدي التوريث في بعض الأندية إلى غياب المساءلة، وترسيخ نفوذ العائلة، بل ويتحول التدبير الرياضي داخل النادي إلى نموذج شبه ديكتاتوري يفرض رأيًا واحدًا على جميع المكونات ويفرض سلطة القرار الواحد ضمن دائرة ضيقة.
الحكامة والرقابة: الطريق نحو الإصلاح
في ظل هذه الوضعية، تواجه الأندية المغربية تحديات كبيرة في الشفافية والحكامة، مما يؤدي إلى أزمات متكررة في التدبير. ومن جهة أخرى، تعمل جامعة الكرة على تشجيع الاستثمار الخاص في شركات الأندية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، لضمان إدارة أكثر مهنية وربحية والقطع مع الأسلوب التقليدي في تسيير الاندية بشكل يتيح الاستحواذ عليها من طرف أسماء وازنة أو عائلة معروفة.
الخطر الأكبر الذي بات يهدد الكرة المغربية هو إصرار رؤساء ومسيرين على توريث الأندية لأبنائهم أو المقربين منهم. إذ أن هذه الممارسات لا تهدد استقلالية الأندية فحسب، بل تُزيد من احتمالية الفساد المالي والإداري. ويبقى التحدي الأكبر هو الالتجاء لإرادة الجماهير بشكل يضمن أن تكون الأندية ملكًا للجميع، لا “ميراثًا” للأفراد.
