من خلال أبرز المدربين في العالم، ينظر إلى لاعب وسط الميدان بوصفه القلب النابض لأي مشروع كروي ناجح، حيث تصاغ الأفكار وتدار التحولات. واليوم، تؤكد التجربة المغربية في كأس العرب أن الدفاع أولا والهجوم ثانيا لم تعد مجرد قاعدة تكتيكية، بل تحولت إلى لغة كروية وهوية أداء، قوامها التحكم في الإيقاع، وإجادة تغيير الوضعيات، والانتقال الذكي بين الحالات.
في الحدث الكروي العربي الأكبر، لم يكن وصول المنتخبين المغربي والأردني إلى النهائي حدثا عابرا، بل تتويجا لمسار فكري وتربوي قاده إطاران مغربيان. طارق السكتيوي وجمال السلامي مدربان لم يكتفيا بمجاراة مدارس تدريبية عالمية متعددة الجنسيات، بل تفوقا عليها، مؤسسين لثقافة الانتصار بدل الاكتفاء بالمشاركة، وناقلين لكرة القدم المغربية من منطق رد الفعل إلى منطق التحكم والفعل.
لقد أظهر المنتخبان قدرة عالية على التحول الدفاعي–الهجومي، حيث يصبح التنظيم الدفاعي منطلقا للهجوم لا نقيضا له، وحيث تتحول الصرامة التكتيكية إلى أداة للإبداع لا إلى قيد. هذا الفهم العميق للعبة يعكس تغييرا في الذهنيات قبل الخطط، ويؤشر إلى قطيعة واضحة مع زمن الانكسارات والإخفاقات.
وعلى امتداد عقد من الزمن، بدأت تتشكل ملامح هوية كروية مغربية في مختلف الفئات والمنتخبات. هوية تناسب ثقافتنا وسلوكاتنا اليومية، قائمة على الصبر، والانضباط، والعمل الجماعي، ثم الانقضاض في اللحظة المناسبة. بمعنى آخر، إجادة التحول باعتباره جوهر كرة القدم الحديثة.
ما يحققه طارق السكتيوي وجمال السلامي في بطولة كأس العرب يتجاوز حدود هذه البطولة، ليعكس مسارا تراكميا لمدربين مغاربة مارسوا ثقافة الانتصار، وحصدوا الألقاب، وحققوا الأرقام القياسية، وأسهموا في بناء صورة جديدة للمدرب المغربي. مدرب مفكر، ومخطط، وقائد لمشروع.
هنيئا لهما، ومن خلالهما لكل الأطر الوطنية التي آمنت بأن الفوز يربى عليه، وأن الهوية تُبنى بالصبر والعمل. نهائي عربي بعلامة مغربية. عنوان لمرحلة جديدة، لا تحتفي بالنتيجة فقط، بل تحتفي بالفكرة.
