لم يعد الحديث عن تألق المدربين المغاربة مجرد عاطفة وطنية أو خطاب للاستهلاك الإعلامي، بل أصبح حقيقة تكرّسها الأرقام والإنجازات على مختلف المستويات القارية والدولية. فبعد سنوات طويلة من الرهان على المدرب الأجنبي، وما رافقها من أجور مرتفعة وانتظارات كبيرة، تبين أن هذا الخيار لم يكن دائما في صالح الكرة المغربية، لا من حيث النتائج ولا من حيث بناء مشروع مستدام.
أسماء أجنبية وازنة تعاقبت على تدريب المنتخبات الوطنية، من بينها هيرفي رونار، واحيد خاليلوزيتش، والبلجيكي غريتيس، وكلها أسماء تملك خبرة دولية وتجارب متعددة. غير أن الحصيلة النهائية كشفت محدودية هذا الرهان، خاصة عندما يتعلق الأمر بفهم الخصوصية المغربية، والقدرة على التعامل مع اللاعب المحلي وأبناء المهجر، والانسجام مع انتظارات الشارع الرياضي. ورغم الكلفة المالية الكبيرة، بقيت الإنجازات محتشمة ومتقطعة.
في المقابل، ومع منح الثقة للمدرب المغربي، بدأت كرة القدم الوطنية تستعيد بريقها الحقيقي. تجربة وليد الركراكي شكلت نقطة تحول مفصلية، ليس فقط من حيث النتائج التاريخية التي حققها المنتخب الوطني، بل من حيث الروح والهوية التي أعاد زرعها داخل المجموعة. لقد أثبت الركراكي أن المدرب المغربي قادر على المنافسة في أعلى المستويات حين تتوفر له الثقة والدعم.
هذا النجاح لم يكن استثناء، بل تأكد مع تجارب أخرى. طارق السكتيوي بصم على مسار لافت رفقة المنتخبات الوطنية، بتتويجه بـبرونزية الألعاب الأولمبية، ثم إحراز كأس إفريقيا للاعبين المحليين (الشان)، قبل أن يختم إنجازاته بـكأس العرب، في تأكيد واضح على نجاعة العمل القاعدي والتدرج في المسؤولية.
وعلى مستوى الفئات السنية، واصل المدرب المغربي كتابة فصول النجاح. محمد وهبي قاد منتخب الشباب إلى التتويج بكأس العالم، في إنجاز غير مسبوق عربيا وإفريقيا، عكس جودة التكوين والرؤية التقنية الحديثة. كما نجح نبيل باها في قيادة منتخب أقل من 17 سنة إلى التتويج بكأس إفريقيا وربع نهائي المونديال، مؤكدا أن المستقبل الكروي للمغرب يبنى بأيد وطنية.
ولا يمكن الحديث عن إشعاع المدرب المغربي دون التوقف عند منتخب كرة الصالات، الذي تحول إلى قوة قارية وعالمية تحت قيادة هشام الدكيك، محققا ألقابا متعددة، ومكرسا نموذجا ناجحا في الاستمرارية والعمل طويل النفس.
كل هذه المعطيات تضع صانعي القرار أمام حقيقة أن المدرب المغربي لم يعد خيارا اضطراريا، بل استراتيجيا. فالنجاحات المحققة أعادت الاعتبار للكرة المغربية، وفتحت نقاشا جادا حول ضرورة الاستثمار في الكفاءات الوطنية بدل البحث الدائم عن الحلول الجاهزة من الخارج.
