يحتاج الإعلام الرياضي في المغرب، قولا وفعلا، إلى وقفة صادقة مع الذات.
وقفة لا يُراد بها تصفية الحسابات، ولا توزيع صكوك الاتهام، بل إعادة طرح السؤال الجوهري، أي إعلام رياضي نريد؟ أداة بناء أم أداة هدم؟
من حيث المبدأ، لا خلاف حول وظائف الإعلام الرياضي، طرح الأسئلة، ممارسة النقد، الترقب، التوقع، التحليل، مرافقة الأندية والمنتخبات وتقريب الرياضة من الجمهور ومساءلة الفاعلين.
كل ذلك مشروع، بل وضروري، حين يتم في إطار مهني، متزن، ومسؤول، غير أن الإشكال لا يكمن في “حق النقد”، بل في كيفية ممارسته، وفي البيئة التي تحتضنه.
للأسف، أصبح الإعلام الرياضي في كثير من تجلياته امتدادا لمنظومة إعلامية معطوبة، تُكافئ الضجيج والصراخ، والتحريض والتجييش، بدل التحليل والنقاش.
ظواهر صوتية تتكاثر، وخطابات مشحونة تُقدَّم على أنها “جرأة”، لكنها في واقع الأمر وقاحة وتهجّم، و تخل صريح عن قواعد المهنة، لا يختلف عما يقوم به رعاع الفايسبوك عندما يهاجمون بلا ضمير أو وازع ..
الأخطر من ذلك أن هذا الانفلات لا يُنتج وعيا رياضيا، بل يُنتج جمهورا مستقطَبا، غاضبا، وسريع الانجرار، ويُصبح لا فرق هنا بين هذا الإعلام وبين صفحات فايسبوكية غارقة في التطرف والتعصب والجهل ..
وهنا يفقد الإعلام الرياضي أحد أدواره الأساسية وهي التربية على الاختلاف، وفهم اللعبة داخل سياقها التقني والمؤسساتي، بدل تحويلها إلى ساحة تصفية حسابات دائمة.
ومع ذلك، سيكون من الظلم تعميم الصورة القاتمة. فداخل هذا المشهد، توجد كفاءات حقيقية، صحافيون ومحللون يمتلكون المعرفة والخبرة والقدرة على تقديم منتوج إعلامي راق، يوازن بين النقد والمسؤولية..
لكن “الضجيج السريع” و”العائد الآني”، و”البوز” تحول إلى وحش يفتك بالجميع..
المسؤولية هنا لا تقع على عاتق الأفراد فقط. المؤسسات الإعلامية مسؤولة حين تتخلى عن دورها التأطيري والتنظيمي وحين لا تُراهن على الجودة، ثم حين لا تفهم ما يجري ويدور عن وعي أو عن غير وعي، ثم حين تسلِّم مفاتيحها لكائنات من عالم آخر..
الهيئات المهنية مسؤولة حين تعتبر نفسها “شاهد ما شافش حاجة”، أو حين تُكيِّف الوقائع على المقاس، والجهات الوصية والرياضية مسؤولة حين تترك فراغا تواصليا يُملأ بالشائعات والتأويلات.
لكن، الرهان اليوم ليس في محاربة النقد المسؤول، بل في إنقاذ الإعلام الرياضي من الشعبوية، لأن إعلاما رياضيا بلا معنى ولا هدف، قد يحقق ضجيجا مؤقتا، لكنه يخسر في النهاية كل شيء، الرياضة، والجمهور، والمهنة معا..

