أكدت التطورات التي رافقت نهائي كأس الأمم الإفريقية أن كرة القدم المغربية لم تعد في حاجة إلى ردود فعل انفعالية أو خطابات متشنجة، بقدر ما تحتاج إلى قيادة هادئة تمتلك القدرة على إدارة الأزمات بعقل مؤسساتي. وهو ما جسده رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم فوزي لقجع، في تعاطيه مع مرحلة دقيقة اختلط فيها الرياضي بالسياسي، والتنافسي بالحسابات الخفية.
ففي الوقت الذي سعت فيه بعض الأطراف إلى التشويش على النجاح التنظيمي الذي حققه المغرب، اختار فوزي لقجع التمسك بنهج الدفاع المؤسساتي عن مصالح الكرة الوطنية، انطلاقا من قناعة راسخة مفادها أن من يمتلك الشرعية داخل المنظومات الدولية لا يحتاج إلى رفع صوته. وبصفته عضوا في المكتب التنفيذي للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، وعضوا في مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، ورئيسا لجامعة وطنية راكمت احتراما قاريا، يدرك لقجع أن النفوذ الحقيقي لا يمارس عبر البلاغات الانفعالية، بل من خلال التوازن بين حماية المصالح الوطنية واحترام قواعد اللعبة القارية والدولية.
ولا يمكن فهم هذه الوقائع دون التوقف عند البعد الشخصي والمؤسساتي للرجل. فقد راكم فوزي لقجع، على امتداد سنوات كاريزما هادئة تقوم على الفعل لا على الخطاب، وعلى التأثير داخل المؤسسات لا خارجها. لم يفرض نفسه بالصوت المرتفع، بل بالقدرة على التفاوض، وبناء التحالفات، وفهم توازنات القرار داخل الهيئات الكروية الكبرى. وهي عناصر جعلته يحظى بثقة مؤسسات كروية عالمية من حجم الكاف والفيفا، حيث لم يعد ينظر إليه كمجرد مسؤول وطني، بل كفاعل مركزي في صياغة توجهات الكرة الإفريقية والدولية. مكانة لم تمنح بالمجاملة، بل جاءت نتيجة مسار تراكمي قوامه الصرامة التدبيرية، وإدارة الملفات المعقدة، والالتزام الصارم بمنطق المؤسسات.
أما المرحلة التي أعقبت نهائي كأس الأمم الإفريقية، فلم تدار بمنطق الاستعراض أو التصعيد الإعلامي، بل باعتبارها اختبارا حقيقيا لمتانة الموقع المؤسساتي الذي راكمه المغرب داخل المنظومة الكروية القارية. ففي مقابل خطابات مشحونة حاولت تحويل الجدل إلى مواجهة مفتوحة، اختارت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم مسارا أكثر انضباطا، يقوم على تحصين الموقف قانونيا، وتثبيت الوقائع داخل الأطر الرسمية، دون الانجرار إلى سجالات ظرفية سريعة الاستهلاك.
هذا النهج لم يكن معزولا عن السياق العام الذي بات يتحرك فيه المغرب داخل إفريقيا. فكلما تعزز الحضور التنظيمي وتكرس الاعتبار المؤسساتي، برزت محاولات التشويش كآلية موازية لإعادة خلط الأوراق. وهي محاولات تأخذ أشكالا متعددة، من ضغط إعلامي موجه، إلى إثارة الجدل التحكيمي، مرورا بتوظيف خلفيات سياسية داخل فضاء رياضي يفترض فيه الحياد. في هذا السياق، لم يعد الاستهداف ظرفيا، بل مرتبطا بواقع جديد فرضه المغرب داخل موازين القوى القارية.
ضمن هذا الإطار، بدا تعامل فوزي لقجع أقرب إلى إدارة ملف استراتيجي طويل المدى، لا مجرد رد فعل على مباراة أو قرار. فالمعركة الحقيقية لم تكن حول نتيجة رياضية، بل حول تكريس منطق القواعد داخل منظومة كروية أفريقية لا تزال تعاني من اختلالات بنيوية.
وقد كشفت هذه المرحلة بوضوح أكبر، أن ما يثير حساسية بعض الأطراف ليس حدثا بعينه، بل المسار الذي اختاره المغرب لتطوير كرة القدم. مسار لا يقوم على نتائج معزولة أو رهانات قصيرة النفس، بل على بناء منظومة متكاملة تمتد من القاعدة إلى النخبة، وتشمل مختلف الفئات والمنتخبات، وتستند إلى التخطيط، والاستثمار، والاستمرارية. وهو ما جعل التجربة المغربية تتحول من حالة خاصة إلى نموذج قابل للتعميم، وأحيانا إلى مصدر إزعاج داخل محيط اعتاد على منطق الارتجال.
إن ما حققه المغرب كرويا وتنظيميا لم يكن صدفة، بل ثمرة عمل متواصل وإرادة واضحة، جعلت من فوزي لقجع أحد أبرز الفاعلين في تحديث كرة القدم الإفريقية، ورقما صعبا في معادلة القرار الكروي قاريا ودوليا، كرجل مرحلة يدير المعارك بالحكمة، لا بالضجيج

