يبدو أن التعادل الأخير للمنتخب المغربي أمام مالي لم يكن مجرد نتيجة عابرة، بل محطة كشفت عن عمق الإشكالات المرتبطة بالخيارات التكتيكية لوليد الركراكي، وبالمنطق الذي تدار به المرحلة التحضيرية لمنتخب يفترض أنه يمتلك واحدا من أفضل الأجيال في تاريخ الكرة الوطنية.
خطاب الاطمئنان الذي قدمه الناخب الوطني بعد المباراة، والقائم على فكرة “السيطرة” و“شخصية المنتخب”، لا يكفي لتجاوز حقيقة أن الأداء كان يفتقر إلى سرعة التحول والنجاعة في الثلث الهجومي والقدرة على كسر الضغط في اللحظات الحاسمة.
الأكثر إثارة للتساؤل هو الإصرار على إشراك رومان سايس أساسيا في المباراة الأولى رغم غيابه لفترات طويلة عن النسق التنافسي وابتعاده عن الجاهزية المطلوبة لمباريات تعتمد على الإيقاع العالي والضغط المتقدم، وهو إصرار يعكس وفاءً للاسم أكثر مما يعكس قراءة موضوعية لمتطلبات المنظومة الدفاعية الحالية.
الأمر ذاته ينطبق على سفيان أمرابط، الذي تظل قيمته واضحة في المباريات البدنية أو المتوازنة دفاعيا، لكنه يصبح عبئا تكتيكيا حين ينهج المنتخب أسلوبا هجوميا يتطلب سرعة في الارتداد والضغط العكسي وتغييرا سريعًا في الرتم، حيث يكشف بطء التحرك والانتقال عن فجوات واضحة في العمق. وإلى جانب ذلك، يبرز سوء توظيف الصيباري ودياز كعلامة إضافية على ارتباك الخيارات؛ فالصيباري، الذي تصنع قيمته الحقيقية بين الخطوط وفي الثلث الأخير، يسحب إلى أدوار الجناح تُفقده تأثيره الإبداعي، فيما يستخدم دياز خارج مناطقه الأكثر إنتاجا، فيتحول حضوره إلى مجهود بلا قيمة تكتيكية حاسمة.
هذه الأعطاب لا تنفصل عن سياق التحضير ذاته، إذ إن اختيار مباريات ودية أمام منتخبات عربية وإفريقية متواضعة المستوى جعل الوديات أقرب إلى تمرين نفسي لتحسين تصنيف الفيفا بدل أن تكون اختبارات حقيقية تكشف حدود الفريق وتضعه تحت ضغط السرعة والحدة الذي ستفرضه المنتخبات الكبرى. تحسين الرصيد النقطي مهم بلا شك، لكنه يصبح مجرد واجهة شكلية حين يتم على حساب بناء منظومة قادرة على مواجهة الخصوم الأقوى، لأن الفرق التي تنافس على الألقاب لا تبحث عن مباريات “مضمونة السلامة”، بل عن اختبارات مؤلمة مبكرا تمنحها تشخيصا واقعيا لنقاط ضعفها.
إن أخطر ما في اللحظة الحالية ليس التعادل في حد ذاته، بل قبول سردية أن الأداء جيد لمجرد أن الاستحواذ يبدو منظما وأن الخطاب التفاؤلي حاضر، بينما الواقع يقول إن الجاهزية لا تزال معلقة بين وفاء للأسماء وتردد في الحسم التكتيكي. هذا الجيل قادر على الذهاب بعيدا، لكنه يحتاج إلى شجاعة تكتيكية تخرج أفضل ما لدى اللاعبين، وتستبدل وهم السيطرة بواقع المنافسة. فإما أن تتم المراجعة اليوم بوعي ومسؤولية، وإما أن تفرض غدا في محطة لا تقبل التعويض.
