منذ انطلاق الموسم الكروي الحالي، يعيش التحكيم المغربي واحدة من أكثر فتراته حساسية وتوترا في العقد الأخير. فبعد سلسلة من الاحتجاجات والاتهامات المتبادلة بين الأندية ومديرية التحكيم، عاد الجدل ليشتعل من جديد عقب التصريحات النارية لعبد الواحد زمرات، مدرب اتحاد تواركة، التي اتهم فيها مدير المديرية رضوان جيد بالتدخل في قرارات الحكام أثناء المباريات، وهو ما فجر موجة غير مسبوقة من ردود الأفعال داخل الوسط الكروي الوطني.
القصة بدأت حين خرج مدرب اتحاد اتوارگة عبد الواحد زمرات بتصريحات مثيرة، قال فيها إن “رضوان جيد يتواصل مع حكام تقنية الفيديو (الفار) أثناء المباراة ويوجههم نحو قرارات محددة”. تصريحات صادمة دفعت العصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية إلى التحرك السريع، معلنة عن فتح تحقيق رسمي لدى السلطات القضائية لكشف ملابسات ما وصفته بـ“اتهامات خطيرة تمس نزاهة التحكيم الوطني”.
لكن القضية لم تتوقف عند هذا الحد. فقد قرر رضوان جيد،، اللجوء إلى القضاء، معلنا رفضه القاطع لهذه الادعاءات، ومؤكدا في تصريح حصري لبرنامج “مارس أطاك” أنه “سيضع هاتفه الشخصي رهن إشارة الجهات الأمنية المختصة والشرطة العلمية لإثبات الحقيقة”.
وأضاف جيد قائلا: “هذا التصريح لن يمر مرور الكرام، وإذا ثبت تورطي في مثل هذه الأمور، أطلب منكم ألا ترحموني”.
وأكد جيد، الذي قضى أكثر من 32 سنة في عالم التحكيم المغربي والدولي، أن سمعته هي رأس ماله الحقيقي، وأنه لن يسمح بتشويهها دون دليل. في المقابل، رد زمرات بإعلان استقالته من تدريب اتحاد تواركة، مبررا ذلك بما وصفه بـ“استهداف تحكيمي ممنهج”، ليزداد المشهد احتقاناً وتعقيدا.
في الوقت الذي ينتظر فيه أن تصل قضية زمرات أمام أنظار القضاء، جاءت مباراة أولمبيك آسفي أمام الوداد الرياضي لتصب الزيت على النار. فقد وجه الفريق المسفيوي رسالة احتجاج رسمية للعصبة الاحترافية، معتبرا أن القرارات التحكيمية أثّرت على نتيجة المباراة بشكل مباشر.
هذه الواقعة لم تكن معزولة، إذ سبقتها احتجاجات متكررة من أندية أخرى كالمغرب الفاسي والدفاع الحسني الجديدي والفتح الرباطي، مما يؤشر على تآكل الثقة تدريجيا بين الفرق الوطنية وجهاز التحكيم.
وإذا كان الجدل الداخلي قد كشف هشاشة العلاقة بين الأندية والحكام، فإن الغياب شبه الكامل للحكام المغاربة عن المحافل الدولية الكبرى يعكس بعدا آخر من الأزمة.
ففي السنوات الأخيرة، تراجع حضور التحكيم المغربي في كؤوس العالم للمنتخبات والأندية، وحتى في كأس أمم إفريقيا، بعدما كان المغرب يمتلك أسماء لامعة مثل رضوان جيد ونور الدين الجعفري وبوشعيب الأحرش.
اليوم، لم يعد أي حكم مغربي ضمن النخبة الأولى المعتمدة بانتظام من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أو الاتحاد الإفريقي (كاف) لإدارة المباريات الحاسمة. ويرى خبراء أن هذا التراجع سببه تراجع الكفاءة الفنية والتدريبية، إلى جانب “تأثير الخلافات الداخلية والصراعات الإدارية على صورة التحكيم المغربي خارجيا “.
تتفق آراء المحللين على أن أزمة التحكيم في المغرب أعمق من مجرد أخطاء في اتخاذ القرار داخل الملعب. فالمسألة تتعلق ببنية مؤسساتية تحتاج إلى مراجعة شاملة تشمل التكوين، التقييم، وتحديد المسؤوليات بوضوح. كما أن غياب المساءلة العلنية، وعدم معاقبة الحكام إلا استثناء او إرضاء خواطر، يترك مساحة كبيرة للتأويل وفقدان الثقة بين الفاعلين.
لا يختلف اثنان على أن التحكيم يشكل الركيزة الأساسية لنزاهة المنافسة الرياضية. وأي خلل في مصداقيته ينعكس مباشرة على صورة اللعبة وسمعة البطولة الوطنية. ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى خطة إصلاح وطنية شاملة تعيد الاعتبار للتحكيم المغربي عبر تكوين جيل جديد من الحكام المؤهلين، وتفعيل آليات الرقابة والمحاسبة، وإشراك التكنولوجيا والشفافية في كل مراحل اتخاذ القرار.
