أكد جلالة الملك محمد السادس، في خطابه الأخير، أن المغرب يسير بسرعتين مختلفتين، داعيا إلى توحيد الجهود حتى تسير البلاد بسرعة واحدة نحو التنمية. هذه العبارة تختزل واقعا يمكن إسقاطه بوضوح على كرة القدم المغربية، التي تعيش مفارقة صارخة. منتخبات وطنية تحقق نتائج عالمية، في مقابل بطولة محلية تراوح مكانها وتعاني من أعطاب مزمنة.
ففي السنوات الأخيرة، أصبحت المنتخبات الوطنية في واجهة المشهد الكروي العالمي. تألق أسود الأطلس في مونديال قطر ومنتخب الشباب الفائز بمونديال الشيلي، وصعود المنتخبات النسوية وكرة الصالات إلى مستويات غير مسبوقة، كلها مؤشرات على نهضة كروية وطنية حقيقية. غير أن هذه النجاحات، رغم أهميتها، لا تجد امتدادها الطبيعي داخل البطولة الوطنية، التي تبدو بعيدة كل البعد عن مستوى المنتخبات، سواء من حيث التنظيم أو التسيير أو الجودة التقنية.
بطولة احترافية بالاسم فقط، لكنها في الواقع تعاني من ضعف البنيات التحتية، غياب التسيير الاحترافي، وأزمات مالية خانقة تضرب أغلب الأندية. مشاكل التسيير العشوائي، والتدبير المالي غير الشفاف، والنزاعات المستمرة أمام لجان الجامعة والفيفا، كلها مظاهر تعكس أن البطولة الوطنية لم تواكب بعد التحول الكبير الذي تعرفه المنتخبات.
هذا التناقض الواضح يطرح سؤالًا جوهريًا : كيف يمكن لمنتخبات مغربية أن تنافس على أعلى المستويات القارية والعالمية، بينما أنديتها لا تستطيع حتى ضمان استقرارها المالي والإداري؟
الإجابة تكمن في غياب النخب الكفؤة داخل الأندية، وضعف الحكامة الرياضية، وهي النقطة التي يركز عليها جلالة الملك في خطبه عندما يتحدث عن ضرورة تجديد النخب في مختلف المجالات، وإفساح المجال أمام الكفاءات الشابة التي تمتلك رؤية واضحة وحسًا وطنيًا عاليًا.
إن الكرة المغربية في حاجة اليوم إلى ثورة هيكلية حقيقية، تبدأ بتحديث القوانين المنظمة للأندية، وتحويلها من جمعيات رياضية إلى شركات احترافية تدار وفق معايير الشفافية والمحاسبة، وتخضع لمراقبة مالية دقيقة. فمن غير المقبول أن تظل الأندية رهينة صراعات داخلية وأزمات مالية، في وقت أصبحت فيه المنتخبات نموذجا يحتذى في العمل المنظم والرؤية الواضحة.
الرهان اليوم هو توحيد السرعة داخل المنظومة الكروية الوطنية وأن تسير الأندية والبطولة بنفس الدينامية والطموح الذي تسير به المنتخبات الوطنية. فلا يمكن لوجه المغرب الكروي أن يكتمل بنجاحات المنتخبات فقط، بل يحتاج إلى بطولة قوية تعكس هذا المستوى، وتكون خزانا حقيقيا للمواهب بدل أن تتحول إلى نقطة ضعف في صورة الكرة المغربية.
لقد حان الوقت لأن تنتقل البطولة من مرحلة الأعذار إلى مرحلة الفعل، وأن تستفيد من الزخم الذي صنعته المنتخبات لتلتحق بركب التطور.
فحين تسير كرة القدم المغربية بسرعة واحدة، ستتحقق الرؤية الملكية في التميز الشامل، وستصبح البطولة واجهة تليق بمكانة المغرب الرياضية عالميا
