لم تعد الشهب الاصطناعية مجرد ظاهرة عابرة في ملاعبنا الوطنية، بل تحولت إلى مشكلة بنيوية تكشف خللا في ثقافة التشجيع وتطبيق القانون معا. من ديربي البيضاء الذي توقفت مجرياته بسبب الدخان الكثيف، إلى مباراة المغرب التطواني وشباب المحمدية، تتكرر المشاهد ذاتها دون أن تتغير الردود الرسمية، وكأن الفوضى أصبحت جزءا من المشهد الكروي المغربي.
في مقابل ذلك، هناك من يمجد هذه الأفعال ويعتبرها “إبداعا جماهيريا” يضفي نكهة على المدرجات. لكن بين الإبداع الفني الحقيقي والانبهار المضلل مسافة شاسعة. فـالتيفو، حين يصمم بأفكار ورسائل ولوحات بصرية دقيقة، يعد فنا جماعيا راقيا يعبر عن الوعي والانتماء والذكاء الإبداعي للجماهير. أما إشعال الشهب والمفرقعات فليس فيه لا فكر ولا جمال، بل دخان خانق، وخطر محدق بالحضور، وتشويه للفرجة الرياضية.
وللذين ما زالوا يصفقون لهذه الممارسات، عليهم العودة إلى المادة 54 من القانون رقم 22.16، التي تجرم إدخال أو استعمال المفرقعات والمواد القابلة للاشتعال في الملاعب، وتعاقب عليها بالحبس والغرامة. فالقانون واضح، لكن تطبيقه ما زال انتقائيا ومترددا. والأدهى أن الجماهير أصبحت بيئة خصبة للوبيات صغيرة تقتات على بيع هذه المواد وترويجها في محيط الملاعب، وتشجع على استعمالها لأنها تجني أرباحا طائلة في كل مباراة. بذلك تحولت الحماسة في المدرجات إلى سوق سوداء تدار في الخفاء، تحت أنظار الجميع.
لكن التساؤل الذي يفرض نفسه هو: كيف تصل هذه الشهب أصلا إلى مدرجات ملاعبنا الوطنية؟ أين تتعثر الإجراءات الأمنية التي يفترض أن تضمن سلامة الجماهير؟ وإذا كان من الممكن تمرير هذه المواد الخطرة بسهولة، فماذا يمنع غدا من تمرير ما هو أخطر وأشد ضررا؟. إن هذه التساؤلات لا تستهدف مؤسسات بعينها أو جمهور محدد بقدر ما تضع أمام الجهات المعنية مسؤولية تعزيز الإجراءات الأمنية وتحديث أساليب التفتيش والتنسيق بين الأجهزة، حتى لا تبقى الملاعب فضاء مفتوحا أمام المخاطر بدل أن تكون ساحة آمنة للفرجة والفرح.
الاتحاد الدولي لكرة القدم ” فيفا ” ومنذ سنوات يمنع بشكل صارم استعمال الشهب داخل مدرجات الملاعب وهذا ما نلمسه في المباريات الدولية للمنتخبات، كما أن الاتحادات الأوروبية الكبرى قطعت نهائيا مع هذه الممارسات، بفضل تطبيق قوانين صارمة تحمل الأفراد المسؤولية لا المؤسسات.
في المقابل، لا تزال إجراءات الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والعصبة الوطنية تكتفي بغرامات مالية تطال الأندية، رغم أن هذه الأخيرة ليست مسؤولة عن التفتيش الأمني أو ضبط المتفرجين. هذه السياسة العقابية الخاطئة تجعل الأندية ضحية أمام استمرار نفس الممارسات الشاذة في إطار ما تعتبره بعض الجماهير ردود فعل عقابية ضد المكاتب المسيرة المجبرة على الرضوخ للأمر الواقع بين الإصرار على إشعال الشهب وغرامات العصبة الاحترافية.
ولا يمكن في هذا الإطار إغفال أن هذه الممارسات تسيء لصورة الكرة المغربية في الخارج، في وقت يستعد فيه المغرب لاحتضان تظاهرات كبرى قارية وعالمية مثل كأس إفريقيا للأمم 2025 وكأس العالم 2030. استمرار هذه التصرفات يعاكس الجهود الكبيرة المبذولة من أجل تقديم صورة حضارية وتنظيمية تليق بمكانة المغرب في الساحة الدولية.
إن الخلط بين التعبير الفني المشروع ( التيفو ) والسلوك العدمي الخطير ( المفرقعات ) يهدد مستقبل الكرة المغربية، ويفرغ المدرجات من قيمها الحضارية. الشغف لا يعني الفوضى، والجمال في المدرجات لا يصنعه الدخان، بل تصنعه الفكرة والرسالة النابعة من التيفوات الجميلة. أما الشهب الاصطناعية لم تعد رمزا للحماس، بل موضة قديمة ومتخلفة تستنزف الأندية وتربك الأمن، وتهدد صورة كرة القدم المغربية في زمن الاحتراف.
