مع بلوغ كأس أمم إفريقيا المقامة بالمغرب مراحلها الحاسمة، وتأهل منتخبات المغرب ومصر والسنغال ونيجيريا إلى نصف النهائي، عاد إلى الواجهة سؤال قديم جديد: هل يحتاج المنتخب الإفريقي فعلًا إلى مدرب أجنبي كي يكون تنافسيًا؟ أم أن المشكلة لم تكن يومًا في جواز سفر المدرب، بل في طريقة التفكير؟
المعطى الصادم – لمن لا يزال أسير الصور النمطية – أن ثلاثة من أصل أربعة منتخبات في المربع الذهبي يقودها مدربون وطنيون وهم وليد الركراكي، حسام حسن، وبابي ثياو. وحدها نيجيريا اختارت مدربا أجنبيا، ولكنه ينتمي لأفريقيا (المالي إيريك شيل). هذه ليست مصادفة، بل مؤشر على تحول عميق في الوعي الكروي الإفريقي.
المدرب الإفريقي لم يكن يفتقر إلى الكفاءة بقدر ما كان يفتقر إلى الثقة المؤسسية. لعقود، تعاملت الاتحادات الإفريقية مع المدرب المحلي كحل مؤقت، وكخيار اضطراري عند الفشل أو ضيق الميزانية، بينما مُنح المدرب الأجنبي سلطة مطلقة، وصبرًا أطول، وميزانيات أوسع، حتى وإن كانت نتائجه متواضعة. هذه المفارقة هي جوهر الأزمة، لا مستوى التأهيل.
تجربة وليد الركراكي مع المغرب تمثل نموذجا صارخا. الرجل لم يأتِ بفلسفة سحرية من الخارج، بل أعاد ترتيب العلاقة بين اللاعب والهوية والمنتخب. فهمه العميق للعقلية المحلية، لطبيعة اللاعب المغربي، ولحساسية الجماهير والإعلام، منحه أفضلية لا يمكن لأي مدرب وافد أن يكتسبها في أشهر قليلة. الأمر ذاته ينطبق على حسام حسن، الذي بنى مشروعه مع مصر على استعادة الروح التنافسية قبل أي تفاصيل تكتيكية.
الحقيقة أن المدرب المحلي لا ينجح لأنه محلي، بل لأنه أقرب للسيا.: سياق اللاعب الوطني، الضغوط الاجتماعية، وحتى السياسة الرياضية. هذه عناصر لا تظهر في السيرة الذاتية، لكنها تحسم البطولات.
أما العقدة التاريخية تجاه المدرب الأجنبي، فهي في جوهرها امتداد لعقلية ما بعد الاستعمار، حيث ينظر إلى “الخبير القادم من أوروبا” باعتباره حامل المعرفة، حتى عندما تكذب النتائج هذا الافتراض. يكفي التذكير بأن أغلب الإخفاقات الثقيلة في تاريخ المنتخبات الإفريقية الكبرى جاءت تحت قيادة مدربين أجانب برواتب ضخمة وتجارب قصيرة المدى.
التحول الحالي لا يعني إعلان حرب على المدرب الأجنبي، بل كسر احتكاره الرمزي للثقة. المدرب الأجنبي يمكن أن ينجح، لكن بشرط الاندماج الحقيقي في المشروع المحلي، لا فرض نموذج جاهز. والأهم أن يعامل بالمعايير نفسها التي يحاسب بها المدرب الوطني، دون حصانة أو تقديس.
ما يحدث في هذه النسخة من كأس أمم إفريقيا ليس مجرد صدفة تنافسية، بل رسالة واضحة بكون إفريقيا لم تعد بحاجة إلى “وصاية فنية”. بقدر ما تحتاج الاستثمار في التكوين، وفي المسارات المهنية للمدربين المحليين، وفي منحهم الوقت والأدوات نفسها التي طالما مُنحت لغيرهم.

