مرة أخرى، انتهى ديربي الدار البيضاء بين الوداد والرجاء بتعادل سلبي باهت، أكد بما لا يدع مجالا للشك أن بريق هذه المواجهة التاريخية بدأ يخفت عاما بعد عام، وأن الجماهير باتت وحدها تحفظ للحدث وهجه في المدرجات، بعدما غابت المتعة عن المستطيل الأخضر.
المباراة التي وصفت سلفًا بـ”قمة الجولة” تحولت إلى عرض رتيب خال من الإبداع، حيث طغى الحذر على الجرأة، وغابت الأفكار الهجومية، وكأن الفريقين دخلا الديربي بهدف وحيد وهو تفادي الخسارة بأي ثمن. وما زاد من مرارة المشهد أن هذه النسخة تأتي في وقت يحطم فيه الوداد والرجاء الأرقام القياسية في التعاقدات، سواء على الصعيد المحلي أو الإفريقي، بصفقات ضخمة وميزانيات ثقيلة، دون أن ينعكس ذلك على الأداء أو المستوى الفني.
وإذا كانت جماهير الناديين والجمعور المغربي تنتظر ديربي يليق بسمعة القطبين الأكبر في المغرب وإفريقيا، فإن ما قدم فوق أرضية الملعب لم يكن سوى صورة مصغرة لأزمة البطولة الوطنية برمتها. بطء في الإيقاع، ضعف في البناء الهجومي، وغياب شبه تام للمهارات الفردية التي تصنع الفارق.
هذا الديربي لم يفضح فقط محدودية الأداء لدى الفريقين، بل كشف بوضوح هشاشة المستوى العام للدوري المغربي، وأعاد إلى الواجهة سؤالا مؤرقا : هل ما زالت البطولة قادرة على إنتاج لاعبين مؤهلين لحمل قميص المنتخب الوطني؟
الجواب، للأسف، يبدو واضحا في ظل استمرار ضعف المردود المحلي، الأمر الذي يجعل اعتماد وليد الركراكي على المحترفين في أوروبا خيارا إجباريا لا ترفا تكتيكيًا. فحين تعجز قمّة الدوري عن تقديم لاعب واحد يترك بصمة حقيقية، يصبح الحديث عن منافسة المحترفين في المستوى الدولي مجرد وهم جميل.
لقد تحوّل “ديربي الملايين” إلى مرآة صريحة لأزمة منظومة بأكملها، حيث المال حاضر، والجماهير وفية، لكن الأداء غائب. وبينما تتواصل الصفقات الكبرى وتتضاعف الأجور، يبقى الميدان هو الحكم العادل الذي لا يجامل أحدا.
إن كرة القدم المغربية تحتاج اليوم إلى جرأة في التفكير قبل الجرأة في اللعب، وإلى مشروع يعيد للبطولة قيمتها الفنية، لا فقط بريقها الجماهيري. وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل ديربي البيضاء مناسبة لتجديد خيبة الأمل بدل الفخر.

